ابن أبي الحديد
47
شرح نهج البلاغة
كونه سوادا غير مختلف ، وكذلك البياض فصارت الدلالة هكذا الذوات التي عندنا يشبه بعضها بعضا ، وهي محدثة ; فلو كان الباري سبحانه يشبه شيئا منها لكان مثلها ، ولكان محدثا لان حكم الشئ حكم مثله ، لكنه تعالى ليس بمحدث ، فليس بمشابه لشئ ، منها فقد صح إذا قوله عليه السلام ( وباشتباههم على أن لا شبه له ) . قوله عليه السلام ( الذي صدق في ميعاده ) ، لا يجوز الا يصدق ، لان الكذب قبيح عقلا ، والباري تعالى يستحيل منه من جهة الداعي والصارف أن يفعل القبيح . قوله عليه السلام ( وارتفع عن ظلم عباده ) ، هذا هو مذهب أصحابنا المعتزلة ، وعن أمير المؤمنين عليه السلام أخذوه ; وهو أستاذهم وشيخهم في العدل والتوحيد ، فاما الأشعرية ، فإنها وان كانت تمتنع عن اطلاق القول بان الله تعالى يظلم العباد الا انها تعطى المعنى في الحقيقة ، لان الله عندهم يكلف العباد ما لا يطيقونه ، بل هو سبحانه عندهم لا يكلفهم الا ما لا يطيقونه ، بل هو سبحانه عندهم لا يقدر على يكلفهم ما يطيقونه ، وذلك لان القدرة عندهم مع الفعل ، فالقاعد غير قادر على القيام ، وإنما يكون قادرا على القيام عند حصول القيام ، ويستحيل عندهم أن يوصف الباري تعالى بإقدار العبد القاعد على القيام ، وهو مع ذلك مكلف له أن يقوم ، وهذا غاية ما يكون من الظلم سواء أطلقوا هذه اللفظة عليه أو لم يطلقوها . ثم أعاد الكلام الأول في التوحيد تأكيدا ، فقال حدوث الأشياء دليل على قدمه ، وكونها عاجزة عن كثير من الافعال دليل على قدرته ، وكونها فانية دليل على بقائه . فان قلت اما الاستدلال بحدوث الأشياء على قدمه فمعلوم ، فكيف يكون الاستدلال على الامرين الأخيرين